انقسامات «القاعدة» وضعفها تثير نقاشاً… وانقساماً غربياً

المصدر: Al-Hayat


الظواهري وبن لادن (رويترز)

منذ بدء ما سمته الولايات المتحدة «الحرب الدولية على الإرهاب»، بالهجوم على أفغانستان، لتدمير البنى التحتية لتنظيم «القاعدة»، وسؤال محوري يطرح عما إذا كان تنظيم «القاعدة» قد انتهى وانحسر خطره أم لا. هذا السؤال اتخذ بعداً أوسع، حين أثار خلال الشهر الماضي، جدلاً كبيراً بين أوساط المتخصصين الأميركيين في قضايا الإرهاب، خصوصاً عقب مقالة نشرت في مجلة الـ «نيو ريببلك» كتبها كل من بيتر بيرغن (من أوائل الصحافيين الغربيين الذين قابلوا أسامة بن لادن) وبول كروكيشانك (الباحث في مركز جامعة نيويورك للقانون والأمن)، وخلصا فيها إلى شبه انتهاء تنظيم «القاعدة» باعتبار تراجع التأييد له في العالم الإسلامي، وزعزعة شرعيته عبر انتقاد علماء مسلمين لنشاطه، وهو ما لم يتفق معه خبراء آخرون مثل مايكل شوير الرئيس السابق لوحدة بن لادن في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية.

ومن ناحية أخرى أثير جدال على صفحات مجلة الـ Foreign Affairs، اتخذ طابعاً حاداً، بين بروس هوفمان الأستاذ الجامعي ورئيس تحرير دورية «الإرهاب والعنف السياسي» Terrorism and Political Violence، وهي واحدة من أهم الدوريات المتخصصة في هذا المجال، مع مارك سيغمان الأستاذ الجامعي المتخصص في علم النفس، ومؤلف كتابين مرجعيين في نشاط الجماعات السلفية – الجهادية، عدا عن كونه عمل مستشاراً لـ «سي أي إيه». الخلاف بين هوفمان وسيغمان دار حول ما إذا كان تنظيم «القاعدة»، كتنظيم مركزي قد انتهى، وهذا رأي سيغمان الذي يرى أن «القاعدة» كفكرة تحول إلى شبكات أكثر منه تنظيماً، ما تلخصه فكرة كتاب سيغمان الجديد Leaderless Jihad (جهاد بلا قيادة)، بينما يرى هوفمان أن تنظيم «القاعدة» المركزي ما زال فاعلاً وقوياً.

هل أنتهى تنظيم القاعدة فعلاً؟

التيار القائل بانتهاء «القاعدة»، يستند إلى أن شرعية التنظيم اهتزت على مستويين، الأول: بين أوساط العامة المسلمين بسبب عملياتهم الدموية ضد المدنيين في مدن مسلمة، والمستوى الثاني: من خلال رأي علماء مسلمين، والاستدلال بكتاب، من كان يوصف بفقيه التيار الجهادي، الدكتور فضل (سيد إمام عبدالعزيز)، «ترشيد الجهاد في مصر والعالم»، والذي انتقد فيه نشاط «القاعدة»، والعمل الجهادي في شكله الحالي، فيما اعتُبر تراجعاً فكرياً كبيراً وضربة لتنظيم «القاعدة» الذي كان يرى في كتابه «العمدة في إعداد العدة» دليلاً إرشادياً أساسياً لـ «العمل الجهادي». وأما الاستدلال الثاني فهو برسالة الشيخ سلمان العودة، الذي يعد واحداً من أبرز شيوخ التيار السلفي – الإصلاحي، والذي وجه رسالة مفتوحة لزعيم تنظيم «القاعدة» أسامة بن لادن متسائلاً فيها عن جدوى أعمال العنف التي انتهجتها «القاعدة» منذ 11 أيلول (سبتمبر) 2001 وحتى اليوم في العديد من بلدان العالم، وقال له في الرسالة: إن «العلماء والدعاة والمخلصين المشفقين يقولون «اللهم إننا نبرأ إليك مما يصنع أسامة».

ومن ناحية أخرى، فإن القائلين بانتهاء «القاعدة» يستندون في دعواهم، أيضاً، إلى هزيمة التنظيم أمام «الصحوات» في العراق، وبالتالي فقدان التنظيم للملاذ الآمن في العراق، وهو ما صرح به مسؤولون أميركيون. ومع أن التنظيم بقي فاعلاً في المنطقة الحدودية بين باكستان وأفغانستان، إلا أن أصحاب هذا الرأي يرون أنه يرزح تحت ضغط القصف الأميركي وقوات التحالف بين الفينة والأخرى.

نصا الفضل والعودة اعتبرا غربياً وعربياً مؤشراً إلى تراجع التأييد لتنظيم «القاعدة» ونزع الشرعية الدينية عن سلوكه السياسي، ولكن المتتبع للجدل داخل التيارات السلفية والجهادية يجد أن الخلاف بين «القاعدة» من جهة والدكتور فضل والشيخ العودة من جهة ثانية يعود إلى سنوات خلت، فالخلاف مع الدكتور فضل يعود إلى منتصف التسعينات، على خلفية الأحقية بالإمارة لتنظيم الجهاد المصري، قبل انضمامه برئاسة أيمن الظواهري، لـ «الجبهة العالمية لقتال اليهود والصليبيين» عام 1998.

وأما الخلاف مع الشيخ العودة فقد بدأ منذ الرسالة المشهورة التي أرسلت الى مثقفين أميركيين بعنوان «على أي أساس نتعايش» عام 2002، وكانت رداً على رسالة مفتوحة وجهها هؤلاء المثقفون بعنوان «على أي أساس نتقاتل»، وقد وجد التيار الجهادي في ذلك «تهاوناً» من الشيخ العودة، الذي كان على رأس الموقعين، وتظهر رسائل زعيم «القاعدة في السعودية» يوسف العييري (قتل عام 2003)، الى سلمان العودة تصاعد حدة الخلاف بين الطرفين، كما يتضح من اللغة المستخدمة في تلك الكتابات.

ويلاحظ أن تلك النصوص، وإن حملت رأياً شرعياً، فإن تأثيره سينحصر في تأكيد وجود تيار ديني رافض لنشاط «القاعدة» (تيار المراجعات في مصر، والتيار السلفي – الإصلاحي في السعودية)، وقد يشكل حصانة لأفراد التيار كي لا ينضموا إلى التيار الآخر الجهادي، ولكنه لن يشكل عاملاً لدفع أفراد «القاعدة» الى التراجع عن أفكاره.

فـ «القاعدة»، لم يعد تنظيماً فحسب، بل هو أحد تعبيرات التيار السلفي – الجهادي، والذي بات تعبيراً عن فكرة تحقيق الدولة الإسلامية ومواجهة «الغازي، والآخر» بالعنف وقوة السلاح، ولهذا التيار منظروه وأدبياته، وبالتالي لا يعد، بعرف هذا التيار على الأقل، رأي فضل والعودة انشقاقاً أو دافعاً للانشقاق عن التيار. 

الملاذ الآمن

وأما في ما يتعلق بتراجع التيار في العراق، فالأكيد أن ذلك سيؤثر سلباً في نشاطه، حيث أن هذا التيار طالما عد الاحتلال الأميركي للعراق فرصة ذهبية لمواجهة الأميركيين، ولكن، ومع التذكير بأن «القاعدة في بلاد الرافدين»، كظاهرة لم تنته، بل ان عودة بروزه ونشاطه مرهونة بشروط موضوعية على الأرض، وكذلك بطبيعة الترتيبات السياسية في بغداد، فإن التيار السلفي – الجهادي، وتعبيره الأساسي، كما قلنا هو تنظيم «القاعدة»، يعاني بالفعل من انقسام حول طبيعة نشاط شبكاته، بين النشاط اللامركزي، الذي يستند إلى خلايا ترتبط بخيط واحد فقط مع المركز، وبين نشاط مركزي ترتبط كل خيوطه بالقاعدة الأم أو المركز.  وعلى ذلك فإن خلافاً يشهده التيار حول محورية وجود الملاذ الآمن/ الدولة للتيار، وقد انقسم التيار في أفغانستان على خلفية أهمية «عدم توريط طالبان منذ البداية في عمليات 11/9»، وفي مدى جدوى استهداف القوات والشرطة الباكستانية لأن ذلك قد يعني فقدان الملاذ الآمن هناك.

وحالياً ينقسم التيار السلفي – الجهادي في أفغانستان/باكستان إلى مجموعات، الأولى هي «القاعدة – الأم» بقيادة بن لادن والظواهري، والتيار الليبي، بقيادة أبو يحيى الليبي الذي خلف أبو الليث الليبي الذي قتل في غارة أميركية في (فبراير) الماضي، وهو على علاقة جيدة مع القاعدة – الأم، ولكنه على خلاف مع المجموعة الأوزبيكية (بقيادة طاهر يولداشييف)، وهناك التيار السعودي بقيادة شخص اسمه أبو عبد الرحمن التبوكي، وله تحفظات، أيضاً قديمة، على «سيطرة العنصر المصري على القاعدة»، ومن ثم التيار الأردني – الفلسطيني، بقيادة، أبو الحارث الأردني، ويسعى الى أن ينشط بمعزل عن القاعدة – الأم تحت اسم (القاعدة في بلاد الشام)، والخلاف الأساسي هو حول أهمية الدولة، والملاذ الآمن في نشاط التيار.

هذا الخلاف له بعد نظري، أيضاً، بين فكرة اللامركزية التي دعا إليها أبو مصعب السوري في كتابه الضخم «دعوة المقاومة الإسلامية»، بحيث ترتكز نشاطات المجموعات الجهادية على الخلايا الصغيرة العدد، من دون أن يكون بينها رابط تنظيمي، وهناك الفكرة المركزية التي تقتضي وجود الدولة والتنظيم المركزي، كما دعا إليها أبو بكر ناجي في كتابه «إدارة التوحش». وهذا الحل الثاني، هو بالمناسبة، ما سعت إلى تحقيقه «القاعدة»، منذ أن تم تأسيس مكتب الخدمات والقاعدة في ثمانينات القرن الماضي، ولكن في الوقت ذاته، فإن الشبكات اللامركزية لعبت دوراً مهماً في تجاوز العوائق الأمنية. وأخيراً برز نمط جديد من التجنيد الذي يجمع بين المركزية واللامركزية بمنطق التجنيد عبر شخص واحد يرتبط بالمركز بينما لا يرتبط المجندون إلا بذلك الشخص.ومهما يكن من أمر فإن المقصود مما سبق، أن السلفية -الجهادية، باتت تياراً مستقلاً، له أدبياته، وتنظيره، وإن كانت معركة الشرعية الدينية أساسية في مواجهته إلا أن معالجة الشروط الاجتماعية – الاقتصادية والسياسية التي ساهمت في وجود التيار تُعد أمراً بالأهمية والضرورة ذاتيهما.

* باحث وكاتب أردني مقيم في لندن