قد تكون أولى قرارات الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما بإغلاق معتقل غوانتانامو المثير للجدال عالمياً، وإصداره مجموعة من البرتوكولات الرئاسية التي تحظر التعذيب والإيذاء لاستنطاق المتهمين والمشتبه بهم، أكثر القرارات لفتاً لانتباه الإعلام والمراقبين السياسيين والمتخصصين في شؤون الإرهاب، باعتبارها تأتي في سياق المراجعات الغربية لما يمكن أن يطلق عليه «حقبة الحرب على الإرهاب»، وفقاً للمفهوم الذي أرساه الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش إثر أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001.
وزير الخارجية البريطانية ديفيد مليباند، كان قد نشر مقالاً في صحيفة «الغارديان»، في منتصف كانون الثاني (يناير) 2009، قال فيه إن فكرة «الحرب على الإرهاب» كانت «خطأ»، لأنها بنيت على دور متعاظم للقوة العسكرية، الأمر الذي أضفى بعداً سلبياً على المفهوم، وبالتالي «توحدت الجماعات الارهابية ضد الغرب». وقد اعتبر مليباند أن الرد الصحيح على تهديد الإرهاب كان يكمن في «إعلاء قيمة القانون وحقوق الانسان وليس التقليل من شأنهما».
وفي سياق انتقاد الحملة العسكرية الإسرائيلية على غزة، حذر وزير مكافحة الإرهاب في بريطانيا اللورد الن ويست، من أن الهجوم الذي شنته إسرائيل ضد قطاع غزة سيساهم في تشجيع التطرف في بريطانيا، مشيراً إلى أنه سيعرقل جهود حكومته في منع انتشار الراديكالية بين أوساط المسلمين البريطانيين. وشدد ويست على انتقاد رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير متهماً إياه بالتسبب، عبر سياسته الخارجية وربطها بالولايات المتحدة، في تعريض بريطانيا لخطر الهجوم الإرهابي، وتشجيع التطرف».
المفهوم الذي أرساه الرئيس الأميركي السابق بوش، قام على محورية الأمن و «حقوق الإنسان»، والحريات، وهو الأمر الذي أدى، كما يحاجج مؤيدو هذه الاستراتيجية، الى حماية الولايات المتحدة الأميركية من هجمات إرهابية، منذ هجمات الحادي عشر من أيلول، كما أن «السياسة الحازمة» تلك، لعبت دوراً ردعياً، لأي سلوك دولي لا يخدم المصالح الأميركية، وهو ما اعتبر انعكاساً للتقسيم الثنائي الشهير للرئيس الأميركي بوش: «إما معنا أو ضدنا».
نظرياً ظهر ان هذه الاستراتيجية قد نجحت، في تأمين الأمن القومي الأميركي، باعتبار أن الدولة الأميركية لم تتعرض إلى أي هجوم إرهابي، ولكن في رؤية أوسع لمفهوم الأمن القومي الأميركي، يلاحظ أن أميركا لم تكن آمنة وفقاً لمجموعة من المؤشرات:
أولاً، استهداف الأميركيين، سواء كعسكريين (أفغانستان والعراق)، أو كمدنيين خارج بلادهم (العاملون في الخليج خلال عامي 2004 و2005).
ثانياً، يلاحظ أيضاً أن المصالح الأميركية استهدفت في شكل أكبر في الخارج، خصوصاً في مناطق مهمة بالنسبة لها، كاستهداف المنشآت النفطية (أبقيق 2006، أو مصفاتي سبأ وحضرموت في اليمن 2006، وفي الجزائر حيث نفذت هجمات مختلفة على قطاعي النفط والغاز…الخ).
وثالثاً، يبدو ان إعلاء البعد الأمني – العسكري، دفع إلى خلق بؤر صراع وملاذات آمنة للجماعات المستهدفة، كـ «القاعدة»، أو التيار السلفي – الجهادي عموماً، التي تشظت بالتالي إلى مجموعات متعددة تتوزع في بقع جغرافية متنوعة، كالقاعدة في البلاد الرافدين، وفي بلاد المغرب الإسلامي، وفي بلاد الشام، وفي أوروبا، وفي القرن الأفريقي… وهو ما يشكل تهديداً للأمن القومي الأميركي عبر استهداف مصالح أميركا الموزعة جغرافياً. وآخر مؤشر على أن الاستراتيجية الأميركية لم تكن ناجحة ولم تساهم في حماية الأمن القومي الأميركي بمفهومه الواسع هو أن حلفاء الولايات المتحدة الأميركية تعرضوا لهجمات إرهابية (كمدريد 2004 ولندن 2005)، عدا عن محاولات عدة لاستهداف دول أوروبية أخرى، وهذا بالإضافة إلى الحلفاء العرب أيضاً، وهو الأمر الذي انعكس لاحقاً عبر ضعف التحالف بين طرفي الأطلسي، وتباعد المواقف بينهما في قضايا أساسية كالحرب على العراق، أو العلاقة مع إيران، أو العلاقة مع روسيا… الخ.
وعلى رغم من المبادرات التي طرحتها الإدارة الأميركية، لنشر الديمقراطية، في العالم العربي تحديداً، إلا أن إعلاء البعد الأمني – العسكري، كان أحد أسباب فشل تلك المبادرات، وهو الأمر الذي أثار أسئلة حول جديتها، حيث أنه وباسم «الحرب على الإرهاب» عمد عدد كبير من الدول في العالم إلى التضييق على الحريات العامة، وانتهاك حقوق الإنسان، وقد عبرت منظمة «هيومان رايتس واتش»، عن ذلك في موقعها الإلكتروني باسم «الانتهازية في وجه المأساة: القمع باسم مكافحة الإرهاب»، وتضمنت مجموعة من الدول، ومن ضمنها دول عربية عمدت، وفقاً للمنظمة، إلى استغلال «الحرب على الإرهاب»، للتضيق على حرية التعبير، وحرية التنقل، وعلى الحريات الشخصية، والانخراط في عمليات غير قانونية، كعمليات الترحيل القسري، أو السجون السرية وغيرها، وذلك بالتعاون مع الولايات المتحدة الأميركية.
عدد كبير من الدول انخرط في الاستراتيجية الأميركية لـ «مكافحة الإرهاب»، ومن بينها عدد من الدول العربية، عمد إلى إصدار تشريعات تحد من الحريات لـ «حماية المجتمعات من الإرهاب»، وأبرزت الأجهزة الأمنية كراع وفاعل أساسي في السياسة، ولعل اتفاقية مكافحة الإرهاب العربية لعام 2001، تأكيد أساسي على ذلك.
يصعب التــنبؤ منـذ الآن، وفي بدايات عـــمل الإدارة الأميركية الجديدة، عما إذا كانت الظروف المحلية الأميركـية، والإقليمية، والدولية ستساعد باراك أوبـــاما في الاستــمرار بسياساته، ولكــن يبدو أن عدم مراجعة حقبة «الــحرب على الإرهـــاب» عربــياً ستــكون مــكلفة اســتراتيجـــيـــاً للأنــــظمة الــعربــية.
The High Cost of Bush’s War on Terror
This article addresses the reflection of reviews in the West regarding the “War on Terrorism” on the Arab regimes and their political behaviour.