رأى منظرو التيار السلفي – الجهادي في الغزو الأميركي للعراق عام 2003 فرصة ذهبية لتجميع جهود التيار ومحاربة الولايات المتحدة، ونقل المعركة، بالتالي، إلى دول الجوار، من خلال ملء الفراغ المتشكل في العراق جراء سقوط نظام الرئيس صدام حسين، وعودة «المعركة إلى قلب العالم الإسلامي بدلاً من الاغتراب في الهوامش»، وفق تعبير قائد «القاعدة» في السعودية يوسف العييري، والذي كان قبل مقتله، على يد السلطات السعودية في أيار (مايو) 2003، قد نشر سلسلة من المقالات المطولة بعنوان «سلسلة الحرب الصليبية»، قدم فيها تنظيراً لكيفية إدارة الصراع من وجهة نظر السلفيين-الجهاديين، وحتى أساليب دخول العراق، للمتطوعين العرب. توجيهات العييري لاقت صدى حتى بعد مقتله، وكان تأثيره بادياً في التكتيكات التي استخدمها السلفيون – الجهاديون في دخولهم العراق، عبر شبكة من المهربين.
العييري كان واحداً من منظري «القاعدة»، والتيار السلفي – الجهادي اللذين حضوا الشباب المسلم لـ «الانضمام للجهاد في بلاد الرافدين»، وحتى أسامة بن لادن له كلمة شهيرة في هذا السياق، حين قال في رسالة صوتية انتشرت على المنتديات «الجهادية» في أيار 2004(مايو)، بعنوان «يا أهل العراق»، داعياً الشباب المسلم للانخراط في «الجهاد» ضد الأميركيين: «وأعلموا أن الدفاع عن بقية بلاد المسلمين وخاصة الحرمين يبدأ بالقتال في خطوطه الأولى بأرض الرافدين…[فـ]إنفروا إلى ساحات الجهاد»، وقد اعتبر بن لادن الحرب في العراق فرصة ذهبية لقتال الأميركيين، وأضاف: «وهذه فرصة نادرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وثمينة في جوهرها لشحن طاقات الأمة وفك قيودها للانطلاق إلى ساحات الجهاد في العراق ووأد رأس الكفر العالمي».
العراق في الإيديولوجيا السلفية – الجهادية
رؤية التيار السلفي – الجهادي تلك لقيت صدى بين أوساط شبان مسلمين في أنحاء في العالم، وقد لعبت مشاعر الغضب من الاحتلال الأميركي، دوراً أساسياً في تذكيتها، وكانت نواة تواجد التيار السلفي – الجهادي في العراق مجموعة أبو مصعب الزرقاوي (الذي قتلته لاحقاً القوات الأميركية في حزيران/ يونيو 2006 بغارة جوية)، والتي تتشكل، كما يشير الصحافي «فيكن تشتريان» في «لوموند ديبلوماتيك»، والذي يعالج موضوع العائدين من العراق بتركيز على حالتي اليمن ولبنان، من المجموعة «الشامية»، إن جاز التعبير، والتي رافقته في معسكره بهيرات في أفغانستان، وانتقلت معه إلى كردستان العراق، ومن الشباب المتطوعين العرب اللذين بدأوا بالانتقال إلى العراق مع تصاعد عمليات المسلحين ضد القوات الأميركية في العراق.
وعلى رغم الأهمية القصوى التي يوليها التيار السلفي – الجهادي للعراق، فإن مشروعه استند أساساً على مسألة انتقال «الجهاد» إلى دول المنطقة أو «العدو القريب» بعد الانتهاء من «العدو البعيد»، كما تبدّى مثلاً في تفجيرات الفنادق في عمان، أو عدد من المحاكمات في الأردن، أو في سورية، والمغرب، وكذلك تفجيرات عدة، مثلاً، في الجزائر، تم تجنيد منفذيها باسم القتال في العراق، وغيرها. وقد كان الزرقاوي، قال في هذا الصدد: «نحن هنا لا نجاهد من اجل حفنة تراب، او حدود موهومة رسمها «سايكس» و «بيكو»، كما وإننا لا نجاهد ليحل طاغوت عربي مكان طاغوت غربي، لكن جهادنا أسمى وأعلى، إننا نجاهد لتكون كلمة الله العليا، وليكون الدين كله لله (…) أحيينا فقه سلفنا الصالح في قتال طوائف الردة وانفاذ حكم الله في المرتدين وسيكون الجهاد موصولاً لا يفرق بين كافر غربي او مرتد عربي حتى تعود الخلافة للأرض او نموت دون ذلك».
وعلى ما سبق، يلاحظ أن العراق، وفقاً لإيديولوجية التيار السلفي – الجهادي، ما هو إلا محطة لانطلاق العمل المسلح، فالتيار لا يقاتل لتحرير أرض أو لهدف سياسي آني، بل أنه يتعداه لقتال الأنظمة العربية التي يسميها بـ «المرتدة»، فهو بالنهاية يهدف، إيديولوجياً، الى إقامة «دولة إسلامية» بعد طرد الأميركيين ومن ثم الانطلاق لقلب الانظمة المجاورة والوصول الى بيت المقدس، كما كان ينقل مناصرو أبي مصعب الزرقاوي عنه قوله: «نقاتل في العراق وعيوننا على بيت المقدس»، وهي مقولة منتشرة في المنتديات السلفية – الجهادية المحسوبة على خط الزرقاوي.
من الإيديولوجيا إلى الواقع السياسي
التحولات السياسية في العراق، دفعت هذا الخطاب ليتحول من بعده الإيديولوجي إلى واقع فرضه موقف القبائل السنية في العراق، وتشكيل «مجالس الصحوات» منذ بدايات عام 2006 والتي لعبت دوراً أساسياً في تراجع «القاعدة» في العراق، وفقدانها الحاضنة السنية، كما دلل على ذلك تراجع هجمات التنظيم خلال العامين السابقين.
مستشار الأمن القومي العراقي موفق الربيعي صرح في منتصف كانون الأول (ديسمبر) الماضي: بأن «الارهابيين الاجانب الذين هاجروا الى العراق بدأوا بمغادرته وهناك ادلة استخباراتية وتنصت على هؤلاء تدل على ان الهجرة المعاكسة بدأت ليس بعودتهم الى دولهم الاصلية فقط انما ايضاً الى دول أوروبا وشمال أفريقيا ودول مجلس التعاون». ويبدو أن الدول التي حددها الربيعي، بالإضافة إلى دول الشام، (حيث لوحظ ارتباطات السلفيين – الجهاديين في لبنان، كما في الأردن وسورية بالحالة العراقية)، معرضة لمواجهة ما يمكن تسميته بظاهرة «العراقيين العرب»، أو خريجي حرب العراق Iraqi Alumni، إن جاز التعبير، على غرار ظاهرة «الأفغان العرب»، ولكن الحالة العراقية تكتسب خطورتها من خلال قدرات التجنيد العالية لدى أفرادها بفعل وسائل الاتصال المتطورة، التي امتلكها هؤلاء، إضافة إلى أن هؤلاء الشبان اكتسبوا، وكما يتضح من التكتيكات التي يستخدمها تنظيم «القاعدة» في العراق، مهارات قتالية عالية، وكانوا عرضة لتأثير ايديولوجي قوي، من قبيل مفاهيم «الولاء والبراء»، والمفاصلة وغيرها، بمعنى أن دول المنطقة أمام جيل أكثر تشدداً عما كان عليه «العائدون من أفغانستان»، وهو ما يخلص إليه «فيكن تشتريان»، في مقاله المذكور أعلاه، في ما يتعلق بجيل أكثر راديكالية من السلفيين-الجهاديين في المنطقة.
إلى أين؟
أما في ما يتعلق بأصول المتطوعين العرب، فتفيد دراسة نشرتها نهاية عام 2005، ونشرتها مجلة Terrorism Monitor التي تصدر عن مؤسسة «جيمس تاون» الأميركية، استناداً إلى قائمة المتطوعين التي نشرت في مواقع «جهادية» بأن السعوديين شكلوا الغالبية بنسبة 53 في المئة ثم السوريين بنسبة 13 في المئة، ومن ثم العراقيين بنسبة 8 في المئة، والأردنيين 5.8 في المئة، والكويتيين 4 في المئة، والليبيين 3.8 في المئة، ومن ثم نسبة 1 في المئة من دول أخرى. وبعد عامين، وفي نهاية عام 2007، أصدر «مركز محاربة الإرهاب» في الأكاديمية العسكرية الأميركية (وست بوينت)، دراسة استندت إلى ما عرف بسجلات «سنجار» – نسبة إلى سجلات للقاعدة تم العثور عليها في تلك المدينة الواقعة على الحدود السورية-العراقية والتابعة لمحافظة نينوى وأرسلت للمركز لتحليلها-، ولم تكن نتائج الدراسة تختلف عن نتائج دراسة الأولى، في ما عدا أن نسبة الليبيين كانت الثانية 18.8 في المئة، حيث أن النسبة الأعلى كانت للسعوديين 41 في المئة، وسجلت كل من سورية، واليمن، والجزائر، والمغرب، والأردن نسب 8.2 في المئة، 8.1 في المئة، 7.2 في المئة، 6.1 في المئة، 1.9 في المئة، على التوالي.
معظم المراقبين، يشيرون إلى أن الدول الأصلية لأولئك المتطوعين، أكثر عرضة لمواجهة تهديد أمني يشكله «العائدون من العراق»، وهذا التحليل وإن كان معقولاً بدرجة كبيرة، على أساس أن الحكومات المعنية لا يبدو أنها تمتلك قواعد بيانات خاصة بأولئك المنتقلين للعراق، فإن ما تجب ملاحظته، أن «القاعدة»، في هذه المرحلة تفضل استراتجية تشكيل ملاذات آمنة، ولو على شكل «إمارات صغيرة»، عوضاً عن استراتجية الخلايا الصغيرة، والتي اتبعتها منذ الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، وهو ما اتضح مثلاً، في ما يعرف بـ «دولة العراق الإسلامية»، وحالة الصومال، واليمن، والمنطقة الحدودية في بين أفغانستان وباكستان…الخ. وبالتالي، فإن «العائدين من العراق»، باعتبارهم جيلاً جديداً من السلفيين – الجهاديين، قد يكونوا أكثر سعياً للتواصل مع أفراد «القاعدة» في مناطق مختلفة، غير دولهم الأصلية، لتشكيل ملاذات آمنة للتيار على المستوى العالمي.
ولكن، من المهم أيضاً، التشديد، على أن الحالة العراقية، وإن شهدت تراجعاً حاداً في نشاط «القاعدة»، إلا أنها ما زالت قائمة، وقد تدفع الأوضاع إلى عودتهم إلى حيث كانت تشكل بيئة خصبة لتجد دعاوى «القاعدة» قبولاً، وبالتالي فإن اعتبار أن التيار السلفي – الجهادي، انتهى في العراق، يبدو أمراً مبالغاً فيه، طالما أن وجود «القاعدة» هناك ارتبط، بشكل أو بآخر، بالمعطيات السياسية على الأرض، سواء بوجود قوات احتلال، أو وجود أزمة تكامل واندماج على مستوى المجتمع والدولة العراقيين.
The Returners from Iraq: A New Threat?
This article addresses the issue of jihadists returning from Iraq and how they pose a new security threat to their original countries.