شهدت الجماعات السلفية – الجهادية، كبنية فكرية، أطواراً مختلفة من السلوك العنيف، منذ منتصف الثمانينات، حين كانت فكرة «القاعدة» كتنظيم في طور التبلور في حقبة «الجهاد الأفغاني»، وقد اتخذت هذه الأطوار أشكالاً مختلفة من العنف، سواء بشكله الفردي أم الجماعي، بدأ بما يمكن وصفه بـ «عمليات صبيانية»، باستهداف الحانات ومحال بيع الخمور (كحالة الأردن مثلاً)، أو استهداف مصالح «غير المسلمين» (كحالة مصر)، أو محال بيع شرائط الفيديو خلال الثمانينات (كما حدث في السعودية)، وتطورت تلك الأنماط حتى وصلت إلى استهداف مصالح استراتجية ذات قيمة اقتصادية، واجتماعية وسياسية عالية، كهجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) عام 2001، أو البحث عن ملاذات آمنة في مناطق ذات أهمية جيوبوليتيكية عالية (أفغانستان، والسعودية، واليمن والصومال، واليمن مثلاً)، أو استهداف أكبر مصفاة نفط في العالم (أبقيق) عام 2006.
مثل هذا التحول بالتركيز على أهداف استراتيجية، ترافق مع تحول تنظيم «القاعدة» إلى إيديولوجية حاضنة للسلفيين – الجهاديين، بالتالي فرضه كواحد من «الفاعلين غير الرسميين» في العلاقات الدولية Non-State Actor، وهذا ما يبرر الحديث عن بنية فكرية في النشاط «الجهادي»، فبدلاً من استهداف محل لبيع الخمور، أو محل فيديو، بات الشباب يتوافدون إما لمعسكرات التدريب، أو مناطق القتال التي يتواجد فيها التيار السلفي – الجهادي.
وبهذا المعنى، يكتسب النفط والمصالح النفطية أهمية خاصة لدى «القاعدة» والتيار السلفي – الجهادي سواء على مستوى الخطاب أم على مستوى السلوك العنيف. ويبدو أن خطر استهداف المصالح النفطية، في تزايد حالياً، بحكم الأزمة الاقتصادية العالمية، والتي تشهد تراجعاً في أسعار النفط، وهو الأمر الذي لا يريده التيار السلفي – الجهادي، خصوصاً أن زعيم تنظيم «القاعدة» أسامة بن لادن، قال عام 2004 أن سعر برميل النفط يجب أن يكون 100 دولار، باعتبار أن النفط «ملك للأمة»، وهو عرضة لـ «النهب» من قبل الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها. وكذلك دعا نائبه أيمن الظواهري عام 2005 إلى استهداف النفط، كي لا يكون «نهباً» لمن وصفهم بـ «أعداء الأمة».
وقد كان الصحافي الأميركي بيتر بيرغين، في كتابه المعنون بـ «أسامة الذي أعرف: التاريخ الشفوي لزعيم القاعدة»، والذي استند على مقابلات مع أناس عرفوا زعيم «القاعدة» في مختلف مراحله العمرية والسياسية، ركز، في بعض صفحات الكتاب، على «رؤية» بن لادن إلى «نفط المسلمين»، وهي الرؤية التي شكلت، بالتالي، رؤية كل السلفيين – الجهاديين عموماً، وتستند إلى ان المسلمين لا يستفيدون من ثروتهم الأساسية، ذلك إن «ضمان تدفق النفط» هو سبب حماية اميركا للأنظمة العربية، بالتالي فإن ضرب المواقع النفطية، سيهدد هذا التحالف من ناحية، و «يطرد الاميركيين» من بلاد المسلمين من ناحية أخرى.
وأما على المستوى العملي، فقد استهدفت «القاعدة» مواقع نفطية عدة مثل ناقلة النفط الفرنسية «ليبمورغ» باليمن عام 2002، أو الهليكوبتر التابعة لشركـــة نفط «هانت أويل» الأميركية في العام ذاته، وكذلك منشــــأة «أبقيق» السعوديـــة، كما أشيـــر أعلاه، ومصفاتـــي صافــــر والضبة في اليمن نهاية عام 2006، وتبنــــت «القاعدة في اليمن» الهجوم الفاشل على مصفاة صافر مرة أخرى في حزيران (يونيو) 2008، ولاحظ المراقبون تزايد استهداف منشآت وعاملين في قطاع النفط والغاز في الجزائر من قبل ما يعرف بـ «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي». وأشارت تقارير إلى أن الهجمات على أهداف نفطية قد تراجعت في العراق بعد مقتل أبو مصعب الزرقاوي في حزيران 2006، ولكن من الضروري الإشارة إلى أن استهداف النفط بالعراق، أرتبط بمجموعات مسلحة أخرى غير «القاعدة» أيضاً، كانت تهدف الى اثبات فشل المشروع الأميركي. وقد تراجع استهداف أنابيب النفط في العراق، مع تأسيس قوات خاصة لحمايتها، في ظل تحول المجتمع السني ومواجهته للقاعدة عبر مجالس الصحوات.
مما سبق يلاحظ أن «القاعدة»، والتيار السلفي – الجهادي، يعتبران استهداف النفط محورياً، وإذا ما قيس ذلك بارتباط نشاط التيار بأهداف استراتجية، فإن التيار أصدر كتاباً تنظيرياً بعنوان «حكم استهداف المصالح النفطية» عام 2005، كتبه عبدالعزيز بن رشيد العنزي، المعتقل لدى السلطات السعودية، وفيه، ما يمكن وصفه بـ «التكييف الشرعي» لاستهداف هذه المصالح، والذي يقوم على جواز استهداف المصالح النفطية، واعتبارها من المصالح الشرعية، ولكن الدراسة تحددها في استهداف الأنابيب النفطية، والعاملين في مجال النفط القادرين على التأثير في سعره، وما يعني في هذه الحال الموظفين الكبار، وكذلك ناقلات النفط والعبارات، وما إلى ذلك، ولكن لا يجيز العنزي، استهداف آبار النفط وحقوله، باعتبار حكمها الشرعي، هو حكم ما يؤول للمسلمين كافة، بالتالي لا يجوز استهداف ما هو ملك «للأمة»، وفق تعبير العنزي.
ووفقاً لهذا التنظير، فمن الملاحظ أن استهداف النفط من قبل «القاعدة»، أو التيار السلفي – الجهادي، يرتبط بالتأثير في «تدفق النفط» للغرب، بالتالي، تعد مسألة رفع السعر، مسألة مهمة بنظر السلفيين – الجهاديين.
أما في ما يرتبط بالتأثير الحقيقي المتوقع، لاستهداف المصالح النفطية، فهناك وجهتا نظر أكاديميــتان، حول هذا التأثير، الأولى تمثلها مجموعة «معهد أكسفورد لدراســـات الطاقة»، وقد عبر عنها بسام فتوح مدير برنامج «النفط والشرق الأوسط»، حين وجد في دراســـته للمـــوضوع أن تأثير الهجمات على المصالح النفــطية هو محدود، مقارنة بعوامل أخرى مثل حجم الانتاج، والكوارث الطبيعية، وكلفة النقل، والتغيرات الســـياسية الكبرى الأخرى. والثـــانية يرى «مركز الدراسات الاستراتجية والدولية» في واشنطن، وفي دراسة أعدها كبير باحثيه أنتوني كوردزمان، أن تأثير استهداف المصالح النفطية في سعر النفط «عالٍ»، مقارنة بعوامل أخرى.
وأياً يكن الأمر فإن استهداف المصالح النفطية، وبغض النظر عن تأثيره في ســـعر النفط، فهو يؤثر في اقتصاد الدول، وفي هيبة النظام السياسي، والثقة في اقتصاد الدولة على المستوى المحلي والخارجي. ويشير الدكتور جون دالي، وهو أحد المتخصصين في دراسة الإرهاب والنفط، في مقال له بعد محاولة الهجوم على منشأة أبقيق في السعودية إلى أن أي هجوم ناجح على المصفاة سيؤدي إلى عجز يصل الى تسعة ملايين برميل، وهو يذكر أن سعر النفط قفز بنسبة 3.6 في المئة في أعقاب الهجوم مباشرة، ويقول أن هجوماً ناجحاً ضد هدف نفطي في الدول المنتجة كالسعودية أو الإمارات قد يؤدي إلى عجز بنسبة تصل إلى ستة ملايين برميل، ويدفع سعر البرميل إلى ما يزيد على مئة دولار مباشرة.
وعلى ما سبق، يبدو النفط، من أكثر الأهداف التي يمكن أن يستهدفها التيار السلفي – الجهادي، وفقاً لاستراتيجية «فتح جبهات جديدة لاستنزاف الاقتصاد»، ولا تنحصر الأهداف بالشرق الأوسط، بل أن القارة الأفريقية، مرشحة أيضاً بحكم تزايد عمليات نقل النفط منها وعبرها، خلال العقود الأخيرة، وكذلك دول بحر قزوين، والتي تعد ذات أهمية استراتجية بحكم أنها المكان المرشح لسياسة تنويع الطاقة الغربية، والأميركية منها تحديداً، بالتالي، فإن نطاق هجمات تستهدف مصالح نفطية، لا ينحصر في بقعة جغرافية معينة.
«القاعدة» والنفط: أهداف جديدة في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية… وانحسار الأدوار التقليدية
المصدر: Al-Hayat